سؤال الحكمة

Published by

on

” أعقد موضوع يمكن للإنسان أن يفهمه هو الإنسان نفسه ” كارل يونغ

في كثير من الأحيان وبحكم أن الإنسان كائن معقد بطبعة ، معقد المشاعر ، معقد الأفكار ، معقد الرغبات ، معقد السلوك ، وهذا الإنسان ذو المنظومة المعقدة يعيش داخل حياة أيضاً معقدة ، لذلك فإن الضبابية والتشويش تظل سمة سائدة في العديد من المواقف التي نعيشها ونختبرها في حياتنا اليومية وهذا يصعب علينا الحكم الواضح على المواقف والسلوك والمشاعر الخاصة بنا أو بمن حولنا .

وبطبعنا الإنساني فإننا نميل إلى التعميم وإطلاق الأحكام المسبقة على المواقف والأحداث والسلوكيات والمشاعر بحكم التجربة الأولى ، فحينما ننجح مثلاً في اختيار صديق وفيّ ، في أول تجربة لنا نظن أن كل الأصدقاء أوفياء ، وحينما نخسر في أول مشروع نظن أن كل المشاريع خاسرة ، وحينما نفقد الثقة بأنفسنا في موقف نظن أننا دائماً فاشلون .. الخ

إنها حالة من الفوضى المركبة ، إنسان معقد ، حياة معقدة ، مواقف بأحكام مسبقة ، النتيجة سلوكيات مضطربة وقرارات قد تكون كارثية

” الإنسان لا يعاني من الأحداث ، بل من تفسيره لها ” إبكتيتوس

وفي وسط هذه الضجيج من الفوضى توجد كلمة واحدة قادرة على إيقاف قطار التعميم المضلل ومنحنا وعياً أعمق بأنفسنا وبالحياة من حولنا .

إنها كلمة : ( لماذا )

بمجرد أن تنطق بها بصدق تشعر بأن عقارب الساعة تتوقف فجأة ويعم الصمت وتجد نفسك تسبح في فراغ خالٍ من الضجيج

قبل أن تغضب ، تفرح ، تحزن ، تقرر ، تكره ، تحب ، تتقدم أو تتراجع

فقط اسأل نفسك ( لماذا ) ؟

لماذا أغضب ، لماذا أفرح ، لماذا تصرف معي بهذا الأسلوب ، لماذا خسرت ، لماذا أنا أتأذى في كل مرة … لماذا .. لماذا .. لماذا … !

ستكتشف مع تكرار هذه الكلمة في كل موقف أن أحكامك المسبقة لم تعد صالحة

ولكن انتبه .. هذه الكلمة ( لماذا ) لا تعمل بشكلٍ صحيح إلا حينما تستخدم التعويذة الخاصة بها ، وهي ( خلع رداء الأنا ) فيجب حين تسأل عن السبب أن تنزع الهالة الدفاعية التي تلقي بكل الفشل على الخارج بدلاً من الداخل وتفعّل وضعية الضحية ، ضحية الناس ، ضحية المجتمع ، ضحية أي شيء غير نفسك ، لأن الأنا كما قال إريك فروم ( الأنا لا تبحث عن الحقيقة ، بل عن تبرير بقائها) ، بمجرد أن تخلع هذا الرداء وتسأل ذلك السؤال (لماذا) ، في هذه اللحظة ستدخل عالماً آخر لم تجربه من قبل

ومع مرور الأسئلة تلو الأسئلة على عقلك المتجرد من الأنا ستكتشف أن السقف القصير الذي كان يؤذيه كلما قفز ليلتقط إجابة عابرة قد ارتفع عالياً حتى تكاد لا تراه

” الوعي لا يزيل الألم ، لكنه يمنحه معنى ” فيكتور فرانكل

ستبدأ ترى في كل تجربة تدفعك لقول ( لماذا ) نمواً وراحةً ومساراً جديداً ، ليس بالضرورة أن يمنعك ذلك من الألم لكنه ألمٌ مصحوب بوعي وهذا كفيل بأن يمنحك الهدوء لأنك لم تعد تائهاً أنت تعرف طريقك جيداً

وسوف تلاحظ تغيراً في نمط أسألتك ، فبدلاً من أن تقول ( لماذا ) هذه التجربة تتعمد إيذائي ؟ ، سوف تقول ( لماذا ) أسمح لنفسي أن أكون عرضةً لهذه التجربة المؤذية في كل مرة ؟

بمجرد أن يتحول السؤال لديك بهذه الطريقة وتكون صادقاً مع نفسك اسمح لي أن أهنئك بصدق : لقد أصبحت تملك ( سؤال الحكمة )

أحمد عبدالعزيز الجبرين

30 يناير 2026

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.