الحياة كمدينة غريبة
منذ أن ولدنا على هذه الأرض ونحن في كل لحظة نكتشف ونختبر العديد من اِلخفايا التي بعد أن نكتشفها تصبح مسلّمة من المسلّمات ونخزنها في صندوق اللاوعي الخاص بنا كي ينمو مع كل اكتشافٍ جديد .. وسنظل حتى آخر لحظات حياتنا نكتشف ونختبرهذه الحياة المجهولة الغريبة .. ولكننا في هذه الحياة تختلف تجاربنا بحسب البيئة التي تربينا فيها وطريقة تعاملنا مع التجارب ومدى اتصالنا بالبوصلة التي من خلالها نستطيع معرفة الاتجاه الصحيح .. فحينما تقود سيارتك في مدينة لأول مرة تذهب إليها دون أن تستخدم برنامج الخرائط فإنك حتما ستتوه أو على أقل تقدير تفقد الكثير من المتعة والوقت قبل الوصول لوجهتك لأنك لم تتصل بالبوصلة التي كان باستطاعتك من خلالها الوصول بأقصر وقت لوجهتك وهي الخرائط .. وكذلك نحن في هذه الحياة كلما كان اتصالنا ببوصلتنا وثيقاً استطعنا الاستفادة من التجارب والاختبارات بشكل كبير وكلما كان اتصالنا معدوماً أو مشوشاً فإن استفادتنا من تلك التجارب والاختبارات ستكون بطيئة جداً وهذا الفرق الذي يجعلنا نرى أشخاصاً قد تميزوا في رحلتهم في الحياة عن البقية لأن اتصالهم ببوصلتهم كان وثيقاً جداً .. وأجزم أنك الآن تتسائل ماهي هذه البوصلة .. إنها ( الهوية identity ) بجميع فروعها وغالبا يعبر عنها بمصطلح الهوية الشخصية Personal Identity
دعنا نعود إلى المدينة الغريبة التي تذهب لها لأول مرة .. حينما تخطط لأن تذهب تلك الليلة إلى مطعم ( س ) فإنك بكل بساطة سوف تفتح برنامج الخرائط وتكتب وجهتك ( أين الوجهة ؟ إلى مطعم س ) ستقودك الخرائط إلى هناك مباشرة .. إذاً حينما فكرت مع نفسك أو مع الأشخاص الذين تسافر معهم وطرح هذا السؤال إلى أين الوجهة هذه الليلة ؟ هل شعرت بالخوف أو التوتر أو الارتباك ؟! في الحالة الطبيعية بالطبع لا .. لأن هذا السؤال هو السؤال الطبيعي الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا في كل مرة نفتح فيه باب المنزل ونخرج .. إذاً لماذا البعض حينما يطرح هذا السؤال على نفسه ولكن ليس لأجل مشوار سوف يذهب إليه وإنما لأجل فهم نفسه والحياة من حوله ( مشواره في الحياة ) إنه بالفعل مشوار ولكنه بدلاً من أن يكون مشواراً للخارج سيكون مشواراً للداخل .. لماذا البعض يخاف ويرتبك ويتوتر وربما يعبر عن هذه الخوف بردود فعل تعبر عن اللامبالاة بهذا السؤال واستسخافه .. لأنه بذلك السؤال سوف يفتح باب الوعي العميق وسيجبره ذلك المشوار على المرور بفراغاته الداخلية ومخاوفه الوجودية والتي كان يهرب منها باستمرار عبر انشغاله بروتين الحياة اليومي الذي يعيشه داخل منطقة الراحة الخاصة به .. ولماذا يهرب ؟ لأنه بكل بساطة لا يملك اتصالاً وثيقاً ببوصلته ( هويته الشخصية ) !
صراع الأسئلة
من أنا؟ ما أهدافي في الحياة؟ إلى أين أذهب؟ ما هي رسالتي؟ ما مدى تأثيري؟ ما قيمتي؟ لماذا يحدث معي ذلك وليس مع غيري؟ .. أسئلة كثيرة لابد أنك سألتها لنفسك ليس مرة واحدة بل مراراً وتكراراً.. هل تعلم متى؟ إنها تقفز على السطح في كل مرة تواجه فيها مطباً من مطبات الحياة تماماً كمطبات الطريق التي تثير لديك تساؤلات عن ماهية الخطر الذي وضع من أجله ذلك المطب والذي يستدعي منك التأني والانتباه حتى لا تكون ضحية حادث سير.. فإذا كانت أسئلة الحياة لا تخيفك بل تدفعك للبحث والتعمق فأنت على اتصالٍ وثيق ببوصلتك ( هويتك ) وتتمتع بشخصية واضحة ومتزنة .. أما إذا تجاهلت أسئلة الحياة التي تتصارع داخل عقلك وتجاهلت السعي والبحث عن إجاباتها في كل مرة تقفز للسطح فاعلم أنك فاقد للاتصال ببوصلتك ( هويتك ) أو أنها مضطربة وغير متوازنة مما سيجعلك تتألم وتخسر جزءاً من نفسك كما أن سيارتك ستتعرض للأذى إذا تجاهلت مطبات الطريق .. ولن يكون الاختباء والهروب خلف مجريات حياتك الصاخبة ( أصدقاء – تسلية – سفر – تسوّق – إدمان ….إلخ ) لن يكون الاختباء سوى جرعة مسكنٍ مؤقت سوف يعاودك بعده السؤال من جديد ولكن في مطبٍ أكبر وفي كل مرة يكبر هذا المطب ويتضاعف معه الألم
مصدر الألم
قد تتسائل أيضاً ما مصدر ذلك الألم الذي يجثم على صدري ويكسر ظهري كلما قفزت تلك الأسئلة في مخيلتي .. الإجابة بكل تأكيد ( روحك ) .. خلق الله عز وجل البشر ووهبهم صفة الإنسانية وميزهم عن باقي المخلوقات بأن جعل لهم روحاً تربطهم بخالقهم فكل ما اقتربوا من أرواحهم اقتربوا من الله وكلما ابتعدوا عنها ابتعدوا عنه ..
الروح هي مخزن القيم والوعي والروحانيات والجوهر والحبل الممدود بينك وبين الله .. ولذا فروحك هي التي تجعلك تتألم في كل مرة تمر بها على مطب من مطبات الحياة ( فقر – مرض – فقد – خذلان – غدر – رسوب – حرمان … إلخ ) لترسل لك إشارة أن هناك خلل في نظام اتصالك الروحي وهويتك كإنسان ورسالتك ككائن فريد ويجب عليك معرفة أين يقع هذا الخلل وتصححه إذا أردت لهذا الألم أن يزول وبذلك تكون قد حققت الغاية من تفضيلك على باقي المخلوقات وهي الاستمرار الدائم في النمو والتطور الروحي لتقترب من الله أكثر فأكثر .. إنها إشارات صارمة من روحك تماماً كالإشارات التي يرسلها جهازنا العصبي على شكل ألم لينبهنا أن هناك خلل ما في أجسادنا ..
إذاً لا تخف من تلك الأسئلة ولا تهرب منها بل افرح أنك على أول درجات الصحوة .. أما القلق والاضطراب الذي ينتابك حين التعامل معها إنما هو مجرد مرحلة سوف تتلاشى بمجرد أن تبدأ رحلة البحث عن بوصلتك ( هويتك ) كإنسان ورسالتك الفريدة في الحياة .. وحينما أقول رسالتك الفريدة في الحياة ليس بالضرورة أن يكون نطاق تأثيرها على العالم بأسره وإنما رسالتك قد تكون محدودة في إطارك الاجتماعي الضيق ولكن هذا بحد ذاته سيساهم في تراكم الوعي الجمعي الذي بدوره سيؤثر على دوائر أكبر وأكبر وهذا بالضبط هو سر وجودنا في الحياة .. أن نعمل على أن ننمو أولاً ثم نساهم في نمو من حولنا فالله سبحانه وتعالى خلق لنا نظاماً دقيقاً لنمو أجسادنا يعمل دون تدخل منا وفي المقابل جعل لنا الخيار في بناء نظامنا الخاص لنمو أرواحنا ( لمن شاء منكم أن يستقيم ) وعلى كل واحدٍ منا فك الشفرة الخاصة برسالته في هذه الحياة ومعرفة أين يستطيع أن ينمو ويزهر ثم يثمر .
إذا وصلت إلى هذا الجزء من المقال فأنا على يقين أنه يدور في رأسك سؤال أو أكثر .. اكتب لي من فضلك ماذا يدور داخل أفكارك ..

أضف تعليق