كم مرة قلت لنفسك أنك فقدت الشغف .. إلى أي مدى تفكر بشكل مستمر بأخطائك مع شعور دائم بالخجل أو تأنيب الضمير..هل تستمر في المكان الخطأ المؤذي فقط لأنك اعتدت عليه .. هل تتهرب من مواجهة مشاعرك المعقدة .. هل تشعر بالملل وفقدان الهدف في الحياة ….إلخ
هذه المظاهر وهناك العديد والكثير غيرها هي نتائج لمفهوم خطير ومهم جداً .. وليكن بمعلومك .. أن بيئتك والظروف والناس من حولك والأقدار كل هذه الأشياء ليس لها أي علاقة بما تعانيه ولكننا حينما نغفل أو نتغافل عن المفهوم الخطير الذي سأحدثك عنه سيصبح الناس والبيئة هي الشماعة التي نعلق عليها كل مشاكلنا ..
قبل أن أبوح لك بهذا المفهوم الذي إن آمنت به وتشربته جيداً أضمن لك حياة رائعة بإذن الله .. دعني أمهد لذلك ..
الله سبحانه وتعالى خلق الكون بما فيه وجعل الإنسان هو حجز الزاوية في هذا الخلق العظيم حيث كرمه واصطفاه وميزه عن باقي المخلوقات لكن بماذا ميزه يا ترى ؟ البعض سيقول بالعقل وهذا غير صحيح إطلاقاً لأن الحيوانات أيضاً لها عقول وإلا كيف تستطيع أن تتكيف وتعيش !! لقد ميز الله سبحانه الإنسان بالروح حيث جعل هذه الروح مستودعاً للنور والبصيرة وحبل الاتصال بالله سبحانه وتعالى .. ومهمة هذا الإنسان دون غيره من بقية المخلوقات هي الوصول لهذه الروح والاتصال بها كي يحقق الغاية والهدف من خلقه .. وجعل الأداة للوصول إلى الروح عبر ” الوعي ” ..
هل تأملت يوماً كيف تتبع أوراق الشجر النامية ضوء الشمس ؟ أحسنت .. الروح هي الشمس والورقة النامية هي الوعي وحتى نتصل بأرواحنا يجب على الوعي أن يستمر بالنمو للأعلى حتى يلامس الروح ..
إذاً المفهوم الخطير الذي يجب أن ندركه أن لدينا مهمة في الحياة وهي : الاتصال بأرواحنا عبر سعينا لتنمية وعينا وهذا السعي يجب أن يكون حتى آخر يومٍ لنا في الحياة .. وبمجرد التوقف عن النمو سوف تنتابنا تلك المشاعر التي كتبتها لك في مقدمة المقال لأن روحك تفتقد تقدم وعيك فتحاول أن ترسل لك رغبتها أن تستمر في التقدم .. ولكنها لا تأتي على شكل رسالة مباشرة فنحن لا ينزل علينا وحياً من السماء والكون لا يستطيع التحدث معنا فتأتينا على شكل صعوبات حرمان ضغوطات عكوسات أشخاص سامين ….إلخ فنظن أن هذه المظاهر هي سبب تلك المشاعر بينما هي مجرد رسائل وإشارات تنبيه وتحذير بعدم التوقف عن النمو
ماهو الوعي
الوعي ليس تجميع معلومات وكثرة قراءة للكتب كما يعتقد البعض .. الوعي هو مجموع تجاربك ومعارفك وأحاسيسك وتفاعلها مع عقلك ونفسك وجسدك من خلال التأمل والفهم والتحليل والتفكر .. يقود هذه العملية النية الصالحة التي توجه الدفة نحو المسار السليم كلما حدت عن الطريق .. والروح تشرف على هذا المنظر من الأعلى وتصفق وتبارك لك في كل تجربة تخوضها وكل معرفة تحاول سبر أغوارها .. وكلما استمريت في النمو شعرت بلذة الحياة وهدف الوجود وبمجرد أن يتوقف وعيك عن النمو فعليك الانتباه لرسائل الروح حتى لا تتألم كثيراً .
ما الذي يجعل الوعي يتوقف عن النمو
هناك أسباب كثيرة تجعل الوعي خاملاً لا ينمو وكعادتي في مقالاتي أحب أن أبسط المعلومة للقاريء الكريم وسوف اختصر قدر الإمكان واقتصر على ذكر أبرز الأسباب وأكثرها شيوعاً وانتشاراً خصوصاً في مجتمعاتنا العربية .. اقرأ بعقلك وقلبك وتأمل ما ينطبق عليك وصحح مسارك وابدأ مرحلة العودة للنمو
1. عدم استحضار الناموس الكوني
في رحلة الحياة نحتاج أن نفهم بالضبط ما يجري كي نستطيع أن نتحرك بالاتجاه الصحيح وهذا بالضبط ما نسميه بالتناغم مع إيقاع الكون .. الكون قائم على فكرة “ النمو المستمر ” الحركة نحو الأمام .. والله سبحانه وتعالى جعل للحياة ناموساً موحداً تخضع له كل الكائنات في خطوطه العريضة حيث يتدرج كل كائن من النقص إلى الكمال وفق نظامٍ دقيق لا يعرف القفز ولا التراجع ..
ووعينا الإنساني خاضع لهذا الناموس بلا شك .. فكما أن البذرة تنبت في الظلمة قبل أن تواجه الضوء كذلك يسبق الوعي نضجٌ في الخفاء .. وكما تتسع المجرات عبر الزمن دون أن تفقد تماسكها الداخلي كذلك يتجلى النمو في اتساع وعي الإنسان دون أن يفقد الجذور الأساسية التي بدأ يتشكل منها ..
ولكن الفرق بين نمو كل الكائنات وبين نمو وعيك أنت أيها الإنسان فرق كبير جداً .. حيث أن حركة النمو في الكون حركة مبرمجة غير اختيارية لأن الله سبحانه وضع لها نظاماً ومساراً محكماً تسير عليه .. بينما وعيك أنت لا يستطيع أن ينمو إلا باختيارك .. فمتى كنت مستحضراً لهذا المعنى العظيم لن تستطيع التوقف لحظة عن تغذية وعيك وحتى لو جثمت عليك فترات الضعف فإنك تعود سريعاً بعد أول رسالةٍ من روحك .
ماهي المظاهر التي من خلالها تستطيع معرفة أن هذا السبب ينطبق عليك أم لا : الشعور الدائم بالملل أو الفراغ .. فقدان الهدف في الحياة .. الانشغال بأمور سطحية .. عدم الالتزام بالخطط أو تطوير الذات .. الانغماس الكامل في مجريات الحياة وعدم تخصيص الوقت للتأمل ..
2. الخوف
الخوف هو أسوء المشاعر الإنسانية إذا سيطر على الإنسان بشكل غير واعي .. وليس هنا مجال الحديث عن مشاعر الخوف وبالتأكيد أنني سوف أتناوله بشكل منفصل بإذن الله .. ولكن كيف يتسبب الخوف في التوقف عن نمو الوعي ؟ من خلال التالي :
–الخوف من التغيير.. لأن الخوف يجعلك تظن أن الثبات أمان وبما أن النمو تغيير للأفضل فإن الخوف يمنعك منه لتظل حبيساً لمنطقة الراحة الخاصة بك .
–الخوف من التناقض والتبدل .. لأن الشخص المتعصب لرأيه أو الشخص الذي يؤجر عقله لغيره لا يملك الجرأة لمواجهة الحقائق الغائبة عن ذهنه ويشعر أنه سوف يفقد السيطرة في حال بدل ما كان يعتقده صحيحاً يوما ما .
–الخوف من الألم الذي يسببه التغيير .. وهذا ينطبق تماماً على مجتمعاتنا العربية حيث أن الوعي الجمعي يسيطر بشكل كبير على حرية الفرد فتجد أن الخوف والذعر يدب في قلب أي شخص يريد أن يتبنى رأياً مخالفاً .
ماهي المظاهر التي من خلالها تستطيع معرفة أن هذا السبب ينطبق عليك أم لا : التمسك بالعادات القديمة .. مقاومة التغيير.. رفض الأفكار الجديدة .. الشعور بالراحة في الروتين اليومي ..رفض النقاش الهادف مع المخالف .. الدفاع المفرط عن الرأي .. تجنب التعاطي أو الاستخفاف بالآراء الجديدة ..التمسك بالمألوف حتى لو كان مؤذي أو غير مناسب ..
3. البحث عن النمو من الخارج لا من الداخل
وهذا ما نسميه النمو المظهري والذي يسعى إليه صاحبه لا من أجل نمو الوعي الحقيقي ولكن من أجل أن يكسب مكانة في محيطه أو يتلقى المدح والثناء .. فهو ينظر لنموه في أعين الآخرين وفي ما يجمع من مظاهر الدنيا وزينتها وهذا هو المقياس الخاص به للنمو فيحول نمو الوعي من مقياس سماوي علوي إلى مقياس أرضي سفلي وبدلا من أن تتوجه ورقة الشجرة النامية إلى ضوء الشمس تُدفن تحت التراب لتموت ..
ماهي المظاهر التي من خلالها تستطيع معرفة أن هذا السبب ينطبق عليك أم لا : قراءة الكثير دون فهم وتطبيق .. الاعتماد على رأي الآخرين فقط .. اختيار الحلول الجاهزة .. الإحباط السريع عند عدم الشعور بالتغيير..
4. الغرق في الأفكار والمشاعر السلبية
موضوع الأفكار والمشاعر موضوع شائك ومتشعب وبإذن الله سوف يكون له مقال منفصل أو عدة مقالات .. ولكن ما يهمنا فهمه هنا هو أن انشغال الذهن بالأفكار والمشاعر السلبية يتناقض تماماً مع عملية نمو الوعي حيث أن الوعي لا يستطيع أن ينمو في بيئة مظلمة مثل النبات بالضبط .. فالفكرة السلبية كتفسير الألم كعقوبة مثلاً أو الشعور السلبي كالشعور المستمر بالذنب مثلاً .. وغيرها من الأفكار والمشاعر السلبية ما هي إلا مجرد بيئة مظلمة غير قابلة للحياة فكيف لوعيٍ أن ينمو وهو مكبل بسلاسل في ظلمة القاع .
ماهي المظاهر التي من خلالها تستطيع معرفة أن هذا السبب ينطبق عليك أم لا : التفكير المتكرر بالأخطاء .. الشعور بالعجز أو القلق المستمر .. عدم القدرة على اتخاذ قرارات واضحة .. التشاؤم تجاه المستقبل .. تحقير الذات ..
5. الإعجاب بالنفس بعد أول خطوة وعي
وهذه المرحلة يقع فيها الكثير ممن بدأوا إدراك معنى نمو الوعي فتجدهم عند أول عتبة وعيٍ يظنون أنهم بلغوا الغاية وهم في الحقيقة لا يدركون أن رحلة الوعي كما قلنا في بداية المقال رحلةٌ لا تتوقف حتى آخر لحظة من حياتنا وحتى تلك اللحظة الأخيرة لن ندرك فيها كل الوعي .. فالإنسان في هذه الحياة سيستمر تلميذا وباحثاً وكلما وصل لمرحلة وعي فإن عليه التوجه لما بعدها وبين كل مرحلة ومرحلة مراجعةٌ وتهذيب نفسٍ ومحاسبةٌ واختبار ..لأن مراجعة النفس بصدق من خلال النية الصالحة كفيلةٌ بأن تضبط لك المسار كلما انحرفت وتبعد عنك وهم الكمال الذي لن تبلغه بطبيعتك كإنسان ..
ماهي المظاهر التي من خلالها تستطيع معرفة أن هذا السبب ينطبق عليك أم لا : تكرار الأخطأ نفسها .. الشعور بالاكتمال بعد بداية صغيرة .. التوقف عن التعلم .. تصدير آراءه للآخرين قبل نضوج الفكرة .. تبرير التصرفات دون تفكير..
هذه أبرز الأسباب الرئيسة التي تمنع وتوقف نمو وعيك وهناك الكثير من النظريات المعرفية والتفاصيل التي تدعم كل نقطة منها ولكن منهجي هنا تقديم محتوى سلس وسهل للقاريء الكريم .. هذا المقال عبارة عن خطوة عملية أولى لتختبر نفسك وترى أين موقعك من خريطة الوعي ولتبدأ تحديث نسختك وترقيتها لنسخة أفضل وأرقى بإذن الله ..
موضوع الوعي موضوع عميق جداً وتفريعاته كثيرة وتساؤلاته محيرة ولذا لن نستطيع استيعابه في مقال ولا في كتاب حتى .. ولكن أسعى جهدي أن أشارككم بشكل مبسط قدر الإمكان وبدون أسلوب علمي جاف ما أعتقد أنني وصلت إليه خلال سنوات عديدة من البحث والتأمل والتجربة .. وبما أنك عزيزي القاريء وصلت إلى هنا ؟ شكراً لك على قرائتك الفاحصة المتأنية .. أخبرني برأيك أو تجربتك أو بأي شيء تحب قوله ..

أضف تعليق