استراتيجية ” لسعة الشاي “

Published by

on

أول لسعة

هل تذكر حينما كنت طفلاً شغوفاً يحاول أن يستكشف الحياة من حوله ، كنت تزحف في كل الاتجاهات باحثاً عن فريستك غير عابيءٍ بالمخاطر ، تريد أن تلمس وتتذوق وتعبث بكل شيء ، لطالما أرهقت أهلك بمحاولتهم تتبع جولاتك التفقدية لأركان وزوايا المنزل واكتشاف ما التقطته يداك الصغيرتان وما أخفيته داخل فمك الصغير وأنت مستمتعٌ غاية المتعة

هل تذكر ذلك اليوم الذي زحفت فيه متلصصاً نحو فنجان الشاي مستغلاً انشغال والدك بهاتفه المحمول ، كنت تزحف بكل تركيزك على هدفك كما يزحف الجندي في خندق المعركة وتحاول أن تصل للهدف قبل أن يكتشفك العدو ويفسد عليك لحظة الانتصار ، وها أنت وصلت ومددت يدك الصغيرة ولعابك يسيل من فمك من شدة حماستك ، وحانت اللحظة المنتظرة لأهم اكتشافاتك التاريخية ووضعت أصابعك في ذلك الفنجان الذي يتصاعد منه بخار الشاي الساخن وكانت تلك لحظة الهدوء الذي يسبق العاصفة ، وإذا بصرخة منك مدوية أطارت عقل والدك وتهافت كل من في المنزل يهرعون إلى مصدر تلك الصرخة ، وبكيت أنت أيها المسكين يومها بكاء السنين ..

لقد عدت بعد أن تجاوزت تلك الصدمة للاكتشاف من جديد ، لكنك ما إن تشاهد فنجان والدك إلا وتتراجع عن زحفك وتعتدل متربعاً على مقعدتك ثم تشير إليه بإصبعك من بعيد ، وتقول : ” أوووفففف أحححح ” كان ذلك بمثابة إعلانٍ رسمي منك أنك تعلمت الدرس ..

حينما كنت ذاتك الأصلية

نعم أنت تعلمت الدرس من أول مرة لأنك تألمت ، ليس هذا مربط الفرس ، إن اللافت في الأمر والذي يستدعي التأمل أنك عرفت بفطرتك أن ما أصابك هو نتيجة تجربتك الخاطئة وليس لأحد ذنب في ذلك ، فمثلاً لم تلقي اللوم على بيئة المنزل وتقول أنها بيئة غير آمنة ، ولم تلق اللوم على والدك وتصفه بالخائن الذي غدر بك ولم يحميك ، ولم تردد في قرارة نفسك أنها عينٌ أصابتك أو أنها مؤامرة محبوكة ضدك من أهلك كي تترك مهامك الاستكشافية للمنزل ، ولم تهز رأسك يميناً وشمالاً وتقول الشيطان أغواني ومالي حيلة ..

فقط حفظت الدرس وتعلمت من التجربة دون أي تبريرات أو اتهامات لأحد ، لهذا السبب أنت تعلمت من أول ( ألم ) ، كنت ذاتك الأصلية ، لم تُلبسها طبقات الأنا بعد ، ولم تضع أقنعة التخفي الدفاعية التي تجعلك ضحية الظروف والبيئة والناس والشيطان والعين في كل مرة تخفق فيها عن الوصول لهدفك أو تفقد فيها شغفك أو تضعف فيها نفسك ، كنت حقيقياً بلا أقنعة فتنفست الحقيقة وتطور وعيك ..

رسالة من طفلك الداخلي

هذا الطفل يريد أن يقول لنا أن أي ( لسعةٍ ) تواجهنا في الحياة هي كلسعة الشاي ، ليس لأحدٍ ذنبٌ فيها سوى اختياراتنا وقراراتنا ،حتى أولئك الذين ( يلسعوننا ) إنما هم أدوات معرفة ووعي استخدمتهم الحياة لتعليمنا ولإيصال رسالةٍ لنا على شكل ( ألم ) مفادها أن لدينا خلل ما يجب أن نكتشفه ونعالجه وإلا فسيظل هذا الألم يلسعنا باستمرار ويقوى مع الوقت حتى نخلع أقنعتنا ونترك ممارسة دور الضحية وننظر للخلل من داخلنا ، ولن تنجح أي خطوة تغيير أبداً إذا لم تكن الخطوة الأولى من الداخل ثم إلى الخارج وليس العكس

فإذا كانت اللسعة ستعاودنا في كل مرة لا نتعلم فيها الدرس ، أليس من الذكاء أن نتعلم من أول لسعة و أول ألم كما فعل ذلك الطفل الذي بداخلنا يوماً ما ؟!

أعظم استراتيجيةٍ للتغيير

وإذا سألتني ، كيف أستطيع التعلم من أول لسعة ؟

سأجيبك : افعل كما فعلت مع لسعة الشاي يوم أن كنت طفلاً تحبو ، إنها أعظم استراتيجية للتغير

وملخص استراتيجية ” لسعة الشاي ” ما يلي :

1- كن مدركاً أن أي ألم أو فشل أو حرمان أو سوء طالع …الخ – سمها ما شئت – خياراتك وقرارتك هي السبب الرئيس فيها .

2- لا تلقي اللوم على شخص ولا بيئة ولا ظروف ولا حظ ، صحيح أن لها تأثير لكن كل هذه الأشياء ليست السبب الرئيس .

3- كن قابلاً للتعلم ولا تحصر عقلك على مسار معرفي واحد بل تعلم واقرأ وابحث واسأل واستفسر واستشر ولا تمنع عن نفسك أي معرفة في المجال الذي تريد أن تنمي وترفع وعيك فيه ولكن احذر أن تمارس التعلم بأسلوب التلقين فتصدق كل شيء دون أن تحلل وتفكر وتنتقد ، ولا مانع أن تخطيء ثم تعود وتصحح المسار لأن العلم والمعرفة بمثابة درجات السلم توصلنا مرحلةٌ إلى مرحلة أنضج ثم أنضج وهكذا .

4- لا تتوقع من نفسك أن تتعلم وتتغير من أول لحظة ينكشف لك فيها الخلل الحقيقي ، فالنفس البشرية لا تتغير بالعلم وحده وإنما بالممارسة والتجربة والتدريب المستمر .

أتمنى لكم الاستمتاع بكوب شاي ساخنٍ بلا لسعٍ ولا ألم

أحمد عبدالعزيز الجبرين

12-1-2026

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.